رئيس جامعة الأزهر وأمين مجمع البحوث يفتتحان فعاليات الأسبوع الدعوي الثامن عشر المنعقد تحت عنوان “القراءات الحداثيَّة وخطرها على الأمن المجتمعي”

 

رئيس جامعة الأزهر: بعض ما يسمى بالقراءة الحديثة يتخذ التنوير غطاء لزعزعة الثوابت والطعن في المسلمات

 

رئيس جامعة الأزهر يوصي الطلاب بالتسلح بالعلم والمنهجية الرصينة في مواجهة الأفكار الهدامة

 

افتتح فضيلة الأستاذ الدكتور سلامة جمعة داود، رئيس جامعة الأزهر، وفضيلة محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، فعاليات الأسبوع الدعوي الثامن عشر الذي تعقده اللجنة العليا لشئون الدعوة بـجامعة الأزهر، وذلك تحت عنوان: «القراءات الحداثية وخطرها على الأمن المجتمعي»، برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بحضور فضيلة الدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العليا لشئون الدعوة، وفضيلة الأستاذ الدكتور محمود حسين، عميد كلية أصول الدين بالقاهرة، إلى جانب لفيف من قيادات الجامعة وعلمائها، من بينهم الدكتور محمد ربيع الجوهري، عضو هيئة كبار العلماء، والدكتور علاء جانب، عميد كلية اللغة العربية، والدكتور عبد الفتاح العواري، عميد كلية أصول الدين الأسبق، والدكتور أبو بكر يحيى، وكيل كلية الشريعة والقانون لشئون التعليم والطلاب، والدكتور ذكري عبد الرازق، وكيل الكلية للدراسات العليا والبحوث، والدكتور مصباح منصور ، وكيل كلية أصول الدين للدراسات العليا والبحوث، والدكتور عواد محمود عواد وكيل الكلية لشئون التعليم والطلاب، والدكتور مجدي عبد الغفار، مدير وحدة الجودة بكلية أصول الدين.

 

في مستهل كلمته، هنأ فضيلة الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، الأمة الإسلامية بشهر رمضان المبارك، معربًا عن شكره وتقديره لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، ولفضيلة الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر؛ لرعايتهما للأسبوع الدعوي وحرصهما على عقد مثل هذه الملتقيات العلمية لطلاب جامعة الأزهر، بما يعكس الحرص على ترسيخ الوعي وبناء الشخصية العلمية المتوازنة لدى طلاب جامعة الأزهر.

 

وأوضح رئيس جامعة الأزهر أن ما يعرف بالقراءات الحداثية للنصوص الشرعية يحتاج إلى عقول واعية تمتلك أدوات الفهم الصحيح والتمييز بين الخبيث والطيب، مبينا أن مصطلح «القراءة الحديثة» في أصله قد يوحي بالإضافة والتجديد المنضبط الذي يخدم الثوابت ولا يهدمها، غير أن بعض الممارسات المعاصرة تكشف أن هذه القراءات في حقيقتها تتخذ وسيلة للطعن في الأصول وزعزعة المسلمات، تحت شعارات التجديد والتنوير.

 

وبين رئيس جامعة الأزهر أن الحديث في القرآن الكريم وتفسيره ليس أمرًا متاحًا لكل أحد، بل يحتاج إلى رسوخ في العلم وإحاطة بقوانين اللغة وأصول التفسير وقواعد التأويل الدقيقة، ولو نظرنا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ فالتعبير القرآني جاء بلفظ: ﴿أفضتم﴾ دون «ذهبتم»؛ لأن الإفاضة تكون في وقت واحد وبصورة جماعية منظمة، بخلاف الذهاب الذي قد يكون متفرقًا، مما يعكس دقة الاختيار اللفظي في القرآن الكريم، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ يدلل على عمق البناء التشريعي واللغوي في النص القرآني، وأن التعامل معه يحتاج إلى علم ومنهج.

 

وأكد رئيس جامعة الأزهر، أننا ابتلينا في هذا الزمان بمن يتصدر للحديث في القرآن الكريم والحديث النبوي دون أن يكون من أهله، غير أن منهج الإسلام في التعامل مع المخالف يقوم على الحوار بالحكمة والكلمة الحسنة، وأن الرد على هذه القراءات يكون ردًّا علميًّا رصينًا، بعيدًا عن التجريح أو الاتهام أو التكفير، فالتكفير ليس من منهج الإسلام، ولا من منهج الأزهر الشريف، وقد كان كبار العلماء يرفضون هذا الأسلوب، ويتمسكون بالحجة والبرهان.

 

وأوصى رئيس جامعة الأزهر أبناءه الطلاب بقراءة كتب علماء الأزهر الأجلاء، والتسلح بالعلم والمنهجية الرصينة في مواجهة الأفكار الهدامة، مؤكدا أن القرآن الكريم نزل من عند الله تعالى على قلب سيدنا رسول الله ﷺ، وأن القول بأنه نتاج أحداث أو سياقات أرضية محضة إنما هو طعن في مصدره الإلهي وثوابت الأمة، كما أشار إلى أن بعض أصحاب هذه القراءات يزعمون أن القرآن مقتبس من الكتب السماوية السابقة، وهو قول يصادم ما أجمعت عليه الأمة من أن القرآن مصدق لما بين يديه ومهيمن عليه، لا منقول عنه ولا مقتبس منه.

وأضاف رئيس جامعة الأزهر أن من هذه الأطروحات القديمة المتجددة الادعاء بأن القرآن شعر، أو أنه سلك مسلك الشعر في تكريمه للمرأة، أو التشكيك في عربية القرآن، أو حصر عالمية الخطاب القرآني في العرب دون سائر البشر، مؤكدا أن هذه المزاعم تخالف نصوص القرآن الصريحة وإجماع العلماء، وأن التصدي لها يكون بالعلم الرصين، والفهم العميق، والبيان الهادئ الذي يجمع بين الثبات على الأصول والانفتاح الواعي على معطيات العصر.

 

من جانبه أكد فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، أن التعاون المثمر بين مجمع البحوث الإسلامية وجامعة الأزهر، وحرص رئيس الجامعة على حضور هذه الفعالية على رأس قياداتها، يعكس إدراك الأزهر الشريف لحجم التحديات الفكرية المعاصرة، وحرصه على تسليح أبنائه بالعلم الرصين والمنهج المنضبط لمواجهة الأفكار التي تحاول النيل من الدين الحنيف، وأوضح أن بعض الاتجاهات التي ترفع شعار «الحداثة» تتخذ من هذا العنوان مدخلا للطعن في النصوص الشرعية، ومحاولة تجريدها من قدسيتها، بل والنيل من جيل الصحابة رضي الله عنهم الذين تلقوا الوحي وفهموه وعاشوه.

 

وبين أمين مجمع البحوث الإسلامية أن الإسلام لا يرفض الحداثة بمعناها العلمي القائم على البناء والإصلاح، بل يدعو إلى التطور المنضبط الذي يخدم الإنسان ويعمر الأرض، غير أن الدعوات الهدامة التي تسعى إلى هدم الثوابت تحت لافتة «التحديث» هي دعوات مرفوضة؛ لأنها تستهدف زعزعة الأصول لا تطوير الوسائل، سائلا المولى -تعالى- أن يعين علماء الأزهر الشريف على مواجهة هذه التيارات التي تحاول النيل من القرآن الكريم والسنة النبوية، موضحا أن بعضهم يتذرع بضرورة تحديث النص ليواكب الواقع، في حين أن حقيقة الدين أنه راعى واقع الناس في كل زمان ومكان، وجاء بصياغة ربانية صالحة ومصلحة لكل العصور؛ لأنه من عند الله الذي خلق وهو أعلم بمن خلق، ومن هنا كان التجديد في الإسلام تجديدًا منضبطًا، يقوم على فهم صحيح للنص وأدواته، لا على العبث به أو إخضاعه للأهواء، قال رسول الله صلى الله عليه: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».

وأشار أمين البحوث الإسلامية، إلى أن الاجتهاد في الإسلام له شروط وضوابط، في مقدمتها التمكن من اللغة العربية، والإحاطة بأصول الفقه وقواعد الاستنباط، ومعرفة مقاصد الشريعة، وأن من لم تتوافر فيه هذه الأدوات لا يصح له أن يتصدر للقول في دين الله، مؤكدًا أن هذا التجديد ليس نسفًا للثوابت، وإنما هو تنزيل للنصوص على واقع الناس وفق منهج علمي راسخ، وقد شهد تاريخ الأمة نماذج مضيئة من العلماء الذين جمعوا بين الأصالة والمعاصرة.

 

وذكر الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بعض المناهج التي يتبناها الحداثيون في تعاملهم مع النص، مثل القراءة البنيوية والمنهج التفكيكي الذي ينظر إلى القرآن باعتباره نصًّا لغويًّا أدبيًّا مجردا من قدسيته، ثم ما يسمى بالمنهج التأويلي الذي يفتح الباب لكل فرد أن يفسر النص وفق رؤيته الذاتية دون ضابط علمي، وهو ما يؤدي في حقيقته إلى هدم السنة النبوية أولا، ويتقاطع مع بعض أطروحات من يعرفون بالقرآنيين في إقصاء السنة كمصدر تشريعي، ثم تأتي مرحلة تقديم «العقل المجرد» حكما مطلقا على النصوص، بما في ذلك قضايا الغيب، من خلال تحليل عقلي منفصل عن ضوابط الوحي، وهو مسلك يفضي إلى تفتيت النص وتفريغه من مضمونه.

 

وأكد أمين البحوث الإسلامية في ختام كلمته أن الرد على هذه الاتجاهات لم يقتصر على علماء المسلمين، بل صدرت انتقادات علمية لبعض هذه المناهج من مفكرين غربيين أنفسهم؛ لما تحمله من تناقضات منهجية؛ لأن القرآن الكريم كتاب هداية وصلاح، قادر على إصلاح الواقع في كل زمان ومكان، متى أُحسن فهمه وتنزيله وفق منهج العلماء الراسخين.

 

من جانبه قال فضيلة الدكتور محمود حسين، عميد كلية أصول الدين بالقاهرة: إن انطلاق فعاليات الأسبوع الدعوي الثامن عشر بجامعة الأزهر من رحاب كلية أصول الدين يحمل رسالة واضحة لأبنائنا الطلاب مفادها أن هذه الكلية كانت ولا تزال حصنا للعلوم الشرعية ومنارة للتفسير والعقيدة والحديث، وأن البناء العلمي الرصين هو الأساس في مواجهة الشبهات والتيارات الفكرية المعاصرة، وهو الهدف من تنظيم مثل هذه للفعاليات؛ لتسليح طلابنا بالمنهج العلمي الرصين لمواجهة الأفكار الهدامة بالحجة والبرهان.

 

كما أكد فضيلة الدكتور حسن يحيى، أمين اللجنة العليا للدعوة، أن الأسبوع الدعوي يهدف إلى بيان حقيقة ما يسمى بالقراءات الحداثية، والكشف عن نشأتها وسياقاتها الفكرية، وبيان أوجه عدم ملاءمتها للتعامل مع القرآن الكريم والسنة النبوية بوصفهما نصان مقدسان لهما ضوابطهما في الفهم والاستنباط، موضحا أن هذه الفعاليات تسعى إلى تفكيك الادعاءات التي تطرحها بعض تلك القراءات، والتي تتعارض مع المنهج العلمي الرصين في التعامل مع النصوص الشرعية، القائم على الجمع بين فهم السلف، وأدوات الاجتهاد المنضبط، ومراعاة مقاصد الشريعة دون إخلال بالثوابت، إضافة إلى بناء وعي طلابي راسخ، يمكن الشباب من التمييز بين التجديد المشروع الذي يراعي الأصول ويخدم مقاصد الدين، والطروحات التي تتخذ من شعارات الحداثة والتنوير مدخلا لزعزعة المسلمات.

 

ومن المقرر أن يستمر الأسبوع الدعوي الثامن عشر خمسة أيام، بداية من الأحد ٢٢ فبراير وحتى الخميس ٢٦ فبراير، بمشاركة نخبة من علماء الأزهر الشريف، في إطار خطة متكاملة تستهدف تعزيز الوعي بقضايا الفكر المعاصر من خلال مجموعة من المحاور: «مفهوم القراءات الحداثية ونشأتها»، و«مفاهيم الحداثين في قراءة النصوص»، و«خطر القراءت الحداثية على الأمن المجتعي»، و«ركائز المنهج الأزهري في مجابهة القراءات الحداثية»، و«ملامح التجديد في التراث الإسلامي».

التعليقات معطلة.